تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
image البردعي تكتب: تصريحات وزير التجارة وأزمة الخطاب عند الحكومة
A | A+ | A- |

البردعي تكتب: تصريحات وزير التجارة وأزمة الخطاب عند الحكومة

سلوى البردعي*

بعد أن تجاوز وزير الصناعة والتجارة صلاحيته مع مغاربة العالم، عاد ليتهكم وتصغير في حق المقاولة المغربية، إنها تصريحات غير مسؤولة فقد أصبح يسجل ضد مرماه، ويسئ في خرجاته غير محسوبة لكل من وجده في طريقه .
ففي لحظة دقيقة يحتاج فيها الاقتصاد الوطني إلى خطاب مسؤول يعزز الثقة ويحفز الاستثمار، يخرج السيد الوزير بتصريحات أثارت استغرابا واسعا، بعدما خاطب رجال الأعمال المغاربة ومغاربة العالم بعبارات تهكمية من قبيل: “الأتراك طاحنينكم بـ5 مقابل صفر”.
وهي عبارة لا يمكن اعتبارها مجرد مجاز عابر، بقدر ما تعكس خللا واضحا في فهم طبيعة المسؤولية الحكومية وحدود الخطاب السياسي الصادر عن عضو في الحكومة.
فمن غير المقبول أن يصدر عن وزير مكلف بتشجيع الصناعة والاستثمار ودعم التجارة خطاب يحمل في طياته نوعا من التهكم على المقاولات الوطنية، أو التقليل من قدرات رجال الأعمال المغاربة.
فالمقاول المغربي يشتغل في سياق اقتصادي معقد، يطبعه ثقل المساطر الإدارية، وتعدد العراقيل البيروقراطية، وضعف آليات المواكبة والدعم.
لذلك فإن مقارنته بتجارب اقتصادية أخرى، دون الإشارة إلى الفوارق البنيوية في السياسات العمومية، لا يعدو أن يكون محاولة لتحميل الفاعلين الاقتصاديين مسؤولية اختلالات لم يصنعوها.
الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل يمتد إلى طريقة مخاطبة مغاربة العالم، الذين يشكلون رصيدا استراتيجيا للمغرب، ليس فقط من خلال تحويلاتهم المالية، بل أيضا عبر ما يملكونه من خبرات وشبكات استثمارية وعلاقات اقتصادية دولية. فبدل تشجيعهم على الاستثمار وتعزيز ارتباطهم بالاقتصاد الوطني، جاءت هذه التصريحات لتبعث برسائل سلبية قد تفهم على أنها تقليل من دورهم أو تشكيك في قدراتهم.
الأكثر إثارة للتساؤل هو الصمت الذي قابلت به بعض الهيئات المهنية هذه التصريحات، وعلى رأسها الاتحاد العام لمقاولات المغرب، الذي يفترض أن يكون المدافع الأول عن صورة المقاولة الوطنية، إضافة إلى جامعة الغرف المغربية للتجارة والصناعة والخدمات التي تبدو مرة أخرى بعيدة عن التفاعل مع قضايا الفاعلين الاقتصاديين.
السيد الوزير إن الخطاب الحكومي ليس مجرد كلمات عابرة، بل هو عنصر أساسي في بناء الثقة داخل الاقتصاد. فعندما يتحول خطابكم إلى مصدر إحباط أو استهزاء، فإن الضرر لا يقتصر على الفاعلين الاقتصاديين فحسب، بل يمس صورة السياسات العمومية نفسها.
لقد كان المنتظر منكم أن تكونوا صوتا داعما للمقاولة الوطنية، ومحفزا لمغاربة العالم على الاستثمار في بلدهم، لا أن تضعهم في موضع الاتهام أو السخرية. فالمسؤول الحكومي مطالب بأن يرتقي بخطابه إلى مستوى التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد، وأن يكون في مستوى الثقة التي وضعتها فيه الدولة.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال المشروع: هل يعكس هذا النوع من التصريحات فعلا روح المسؤولية التي تقتضيها خدمة الصالح العام؟ أم أنه يكشف عن خلل في تقدير الدور الذي ينبغي أن يضطلع به المسؤول الحكومي في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز ثقة المستثمرين في مستقبل بلادهم؟
إن الاقتصاد الوطني يحتاج اليوم إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويشجع ولا يثبط، ويثمن طاقات المغاربة في الداخل والخارج. لأن بناء اقتصاد قوي لا يتم عبر التهكم، بل عبر سياسات مسؤولة وخطاب حكومي يليق بثقة الدولة ومؤسساتها. فلترقى السيد الوزير بخطابكم فقد تجاوزت حدود اللياقة.

*عضو المجموعة النيابية للعدالة والتنمية

/ تاريخ النشر 2026-03-09
آخر المستجدات

جريدة المجموعة